تحميل CLOSE

مصر.. غلق 14 كنيسة منذ صدور قانون بناء الكنائس

مصر.. غلق 14 كنيسة منذ صدور قانون بناء الكنائس

تقرير: د. ماريانا يوسف

الكنائس طالبت بالتقنين والحكومة “ودن من طين” والأخرى “من عجين”..
القانون ينص على استمرار الصلاة في دور العبادة القائمة قبل صدوره حتى وإن لم تكن مرخصة..

أدانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قيام أجهزة الدولة المصرية بغلق عدد من الكنائس التي قدمت طلبات رسمية إلى لجنة توفيق أوضاع الكنائس للحصول على التراخيص اللازمة وفقًا لقانون بناء الكنائس رقم 80 لسنة 2016، كما انتقدت في تقرير لها طريقة تعامل الأجهزة الأمنية مع الاحتجاجات الرافضة وجود هذه الكنائس، لا سيما أنها تطورت في عدد من الحالات إلى اعتداءات طائفية، حيث قامت الأجهزة الأمنية بالقبض على أعداد من الطرفين للضغط على الأقباط للقبول بالصلح العرفي للإفراج عن المقبوض عليهم مع استمرار غلق هذه الكنائس.

كانت عدة قرى، في محافظات مختلفة، قد شهدت توترات واعتداءات على الأقباط لقيام لجان محلية بمعاينة كنائس قدمت أوراقها إلى لجنة توفيق الأوضاع، كان آخرها ما جرى في قرى: بني منين في مركز الفشن، كومير والحليلة في مركز إسنا، الطود في مركز أبو تشت، كما سيرد في بيان الأحداث.

ورصدت المبادرة المصرية قيام مؤسسات الدولة بغلق 14 كنيسة قائمة، جرت إقامة الشعائر الدينية فيها في فترات سابقة على قرار الغلق، وذلك منذ صدور قانون بناء الكنائس في 28 سبتمبر 2016 وحتى إبريل 2018، أربع منها منذ بداية العام الحالي، حيث تم منع الأقباط من الوصول إلى الكنائس أو إقامة أية صلوات في داخلها، وهو ما يخالف قانون بناء الكنائس الذي نص على استمرار الصلاة في الكنائس القائمة قبل صدور القانون حتى لو لم تنطبق عليها شروط توفيق الأوضاع الواردة في القانون، وفي قرار رئيس الوزراء الخاص بتشكيل اللجنة المعنية بذلك.

الكنائس التي تتخذ شكل البيوت.. تحايل على صعوبات البناء
أدت الصعوبات القانونية التي تواجه عملية بناء الكنائس، بالإضافة إلى رفض قطاع من المواطنين المسلمين، ورضوخ أجهزة الدولة لهذه الاعتراضات المحلية، إلى ظهور ما يمكن تسميته بالكنائس التي تتخذ شكل البيوت، فالحاجة خلقت نوعًا من التحايل على صعوبات البناء.

ففي كثير من اﻷحيان، يلجأ مواطنون أقباط إلى شراء منزل وهدم حوائطه الداخلية وتفريغه ليكون ملائمًا لممارسة الشعائر الدينية، ثم تبدأ ممارسة الشعائر الدينية بعدها بانتظام، ويعين رجل دين للقيام بالطقوس الدينية.

وبعد ذلك، يسري إلى علم الأجهزة الأمنية تحويل المكان إلى كنيسة. ويتعارف عليه من جميع المسئولين والجيران بأنه كنيسة؛ وقد أنشئت نسبة كبيرة من الكنائس خلال العقود الأخيرة بهذه الصورة. هذه الكنائس لا تملك ترخيصًا رسميًّا، لكنها أصبحت بقوة الأمر الواقع كنائس، وقدمت هذه الكنائس أوراقها إلى لجنة توفيق الأوضاع وفقًا للقانون.

قطاع من المواطنين يتحكم في حق ممارسة الشعائر الدينية للأقباط
وحذرت المبادرة المصرية من أن هذه الوقائع مرشحة للتكرار بمعدل متزايد، طالما استجابت مؤسسات الدولة لرغبات الرافضين وجود الكنائس، ومنحت الجهات الأمنية وسلطات الحكم المحلي سلطة غلق الكنائس بالمخالفة للدستور والقانون، وأكدت خطورة أن يتحكم قطاع من المواطنين عمليًّا في حق ممارسة الشعائر الدينية لقطاع آخر من المواطنين.

كانت المبادرة المصرية قد انتقدت سابقًا أداء لجنة توفيق أوضاع الكنائس البطيء في دراسة الطلبات المقدمة إليها، وإضفاء طابع السرية على عملها، وهو ما ينتهك حق المواطنين في معرفة الأسس الحاكمة لعملية منح أو رفض الترخيص لكنيسة أو مبنى خدمات، وعدم تحديد مدة زمنية للانتهاء من نظر الطلبات والرد عليها، وهو ما يعطي الفرصة للمماطلة ويوفر أجواءً للتوتر خصوصًا في القرى التي توجد فيها أعداد قليلة من المسيحيين.

بيان تفصيلي عن وقائع غلق الكنائس منذ بداية عام 2018

وقائع الاعتداءات على أقباط قرية بني منين وغلق الكنيسة:
اعتدت مجموعات من أهالي قرية بني منين، مركز الفشن، جنوب محافظة بني سويف، منتصف أبريل المنصرم على أقباط القرية ومبنى كنسي تحت اسم “كنيسة السيدة العذراء والبابا كيرلس” يُستخدم لإقامة الشعائر الدينية. تم الاعتداء بالطوب والحجارة والعصي، وذلك لرفض أهالي القرية المسلمين وجود كنيسة في القرية. وشهدت القرية توترات قبل عدة أيام من الاعتداءات نتيجة قيام أجهزة الأمن باستدعاء عدد من الأقباط، والتحري عن وجود كنيسة في القرية بدون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات الأمنية.

بدأت أزمة كنيسة السيدة العذراء والبابا كيرلس يوم الأربعاء 11 إبريل، على خلفية اتصالات من مسئولي قسم شرطة الفشن بعدد من الأقباط، ثم استدعاء منصور شحاتة، محامٍ من أقباط القرية، وسؤاله عن وجود كنيسة في القرية دون الحصول على تصريح رسمي.

ثم قام مسئولو قسم شرطة الفشن باستدعاء بباوي حكيم غالي، وهو مالك سابق لجزء من المبنى، وقد باعه إلى رشدي لبيب مواطن مسيحي في القرية، الذي بدوره باع المبنى منذ عشر سنوات إلى الأنبا إسطفانوس أسقف ببا والفشن. وقامت نيابة الفشن بالتحقيق مع بباوي غالي، بناءً على محضر حررته الوحدة المحلية لمركز ومدينة الفشن رقم 6969، جنح مركز الفشن، ضد كلٍّ من بباوي حكيم غالي وبباوي منير سليمان المقيمين بقرية منين، واتهامهما بإدخال تعديلات داخل منزل مملوك لهما وتحويله إلي كنيسة. وتم وقف الأعمال بالقرار رقم 16 لسنة 2018، وقررت نيابة الفشن إخلاء سبيلهما من ديوان قسم الشرطة.

وفي قسم شرطة الفشن، طلب رئيس المباحث من بباوي حكيم التوقيع على محضر إزالة للمبنى لأنه مخالف، فرفض التوقيع، ثم طلبوا منه التوقيع على محضر وقف المخالفات فوقع عليه مع إضافة أن المبنى كان ملك والده، وقام ببيعه منذ عشر سنوات، وهو حاليًّا عبارة عن كنيسة تقام فيها الشعائر الدينية.

يذكر أن مبنى الكنيسة كان عبارة عن عدة منازل متجاورة بمساحة 460 مترًا، قام أصحابها ببيعها جميعًا إلى رشدي لبيب منصور الذي ضمها إلى منزله، وبدوره قام ببيع المبنى للأنبا إسطفانوس أسقف ببا والفشن بعقد مؤرخ في 7 مايو 2010. وقُدمت تلك الكنيسة لطلب التقنين.

ورصد التقرير أنه في المساء نظم عشرات من مسلمي القرية مسيرة بشوارعها، خصوصًا في المناطق التي توجد بها تجمعات مسيحية، وهم يرددون هتافات عدائية، ويرشقون منازل المسيحيين بالطوب والحجارة، ويقرعون الأبواب والشبابيك بعنف؛ ثم توجهوا إلى المنطقة التي فيها الكنيسة، وحدث تراشق بالطوب والحجارة، ثم جاءت قوات الأمن ووقفت بجوار الكنيسة وعملت كردونًا أمنيًّا، وفرضت سيطرتها على القرية، وحرر قسم الشرطة محضرًا رقم 2003 لسنة 2018 إداري الفشن.

كما قامت قوات الأمن بالقبض على أحد عشر شخصًا من كل طرف، وقامت بإحالة 11 مسلمًا و9 مسيحيين إلى النيابة العامة التي قامت بالتحقيق مع المتهمين، ووجهت إليهم تهم: التجمهر والبلطجة واستخدام أسلحة بيضاء (حجارة) وإثارة الشغب. وقد أنكر جميع المتهمين التهم المنسوبة إليهم، وأصدرت النيابة قرارًا بالحبس 4 أيام، ثم تم التجديد 15 يومًا على ذمة التحقيقات، ولا يزالوا محبوسين على ذمة التحقيقات. بينما تم التحفظ على مسيحيين اثنين، هما: ميلاد محروس عدلي، ناجح حكيم غالي، بحجز قسم شرطة الفشن، ولم يتم إحالتهما إلى النيابة العامة. ثم عقب تجدد الاعتداءات، ألقت قوات الأمن القبض على 5 أقباط آخرين: ميلاد رشدي لبيب، عوض عياد صادق، هاني رؤوف عدلي، فرج الله شحاتة فرج الله، عماد بباوي، وبذلك أصبح عدد المحتجزين داخل قسم شرطة الفشن 7 مسيحيين.

غلق كنيسة مار جرجس في قرية كومير
في 31 مارس 2018، قام عدة مئات من مسلمي قرية الكومير في مركز إسنا بمحافظة الأقصر بتنظيم مسيرة داخل شوارع القرية اعتراضًا على إجراءات تقنين كنيسة مار جرجس، ومطالبين بغلقها، حيث قاموا بقطع خط السكة الحديد الخاص بقطار قصب السكر، كما قاموا برشق منازل الأقباط بالطوب والحجارة، مع ترديد هتافات دينية منها: “لا إله إلا الله”، وأخرى عدائية ضد أقباط القرية منها: “الكنيسة وقعت والقسيس مات، مش عاوزين كنيسة”، بينما التزم أقباط القرية، الذين يبلغ عددهم نحو ألف شخص، داخل منازلهم وفقًا لمسئولين دينيين محليين. وقد جاءت قوات الأمن بأعداد كبيرة وفضت التجمهر.

الاحتجاجات جاءت عقب قيام لجنة تابعة للجنة توفيق أوضاع الكنائس، مكونة من أعضاء في المجلس المحلي لقرية كومير وبعض موظفي لجنة الإسكان في مركز إسنا، بمعاينة الكنيسة قبل 5 أيام من الاحتجاجات، حيث أن مطرانية إسنا قدمت الأوراق والمستندات الخاصة بالكنيسة لتوفيق أوضاعها.

ويعود وجود الكنيسة إلى عام 1985، حيث اعتاد أقباط القرية الصلاة في أحد المنازل المكون من طابق واحد، والمبني من الطوب اللبن وسقفه من الخشب، وذلك على فترات متقطعة، خصوصًا أن منازلهم متجاورة داخل منطقة واحدة في القرية. وبمرور الوقت، تمت إقامة الشعائر الدينية بانتظام بعد تهيئة المكان. وفي عام 2006، قامت مطرانية إسنا بشراء المنزل ليصبح كنيسة مار جرجس ومساحتها 221 مترًا مربعًا، ثم اشترت مبنى مجاورًا مساحته 139 مترًا مربعًا مكونًا من ثلاثة طوابق، يستخدم حاليًّا كحضانة ومضيفة واستراحة للكاهن الذي يقيم الصلوات الدينية.

في اليوم التالي للأحداث، قامت حملة من قوات الأمن بالقبض على عدد من المواطنين من داخل منازلهم، حيث قبضت على 15 من المسلمين و7 أقباط، وتم تحرير محضر بتهمة تحويل الأقباط لمضيفة موجودة بين منازلهم إلى كنيسة، بينما أفاد المتهمون الأقباط في أقوالهم بأن المبنى كنيسة تقام بداخلها الشعائر الدينية منذ عام 1985 وليست مضيفة، وأن ملكية المكان لمطرانية إسنا. وقررت النيابة العامة حبس المتهمين 15 يومًا على ذمة التحقيقات، ثم تم التجديد 15 يومًا.

وقد نُظمت جلسة عرفية في 26 إبريل الماضي، حضرها كبار العائلات من القرية والقرى المجاورة ولجنة المصالحات بالمركز، ووُقع محضر للصلح قُدم إلى النيابة العامة يتضمن عددًا من البنود، مفادها أن ما حدث هو مشاجرة بين مسيحيي ومسلمي القرية، وأنهم اتفقوا على إنهاء النزاع بالقرية، وتنازل كل طرف عن حقوقه القانونية. ولم يناقش وضع الكنيسة، فقد أغلقتها الأجهزة الأمنية ووضعت حراسة عليها ومنعت دخولها. ويضطر الأقباط للصلاة بكنيسة دير الشهداء بإسنا على مسافة 13 كيلو مترًا من القرية.

ثالثًا: غلق كنيسة الأنبا كاراس في قرية الحليلة
في 16 إبريل 2018، قامت قوات الأمن بغلق كنيسة الأنبا كاراس في قرية الحليلة بمركز إسنا محافظة الأقصر، إثر تجمهر عشرات من شباب القرية أمام الكنيسة وهم يرددون هتافات ضد وجود كنيسة أو رجل دين مسيحي بالقرية. وجاءت قوات الأمن بسرعة وأنهت التجمهر مباشرة. وطالبت الأجهزة الأمنية مسيحيي القرية بغلق الكنيسة وعدم ممارسة أية شعائر دينية بها، وعينت حراسة عليها.

وأفاد مسئولو الكنيسة للمبادرة المصرية: “الكنيسة تأسست في التسعينيات، كان شكلها بسيط جدًّا، وتجرى فيها الصلوات بشكل غير منتظم، ثم جرى توسيعها والصلاة فيها بانتظام منذ 2015 وبشكل رسمي، وبمعرفة أهالي القرية المسلمين وأجهزة الأمن، وقدمت طلبًا رسميًّا مدعومًا بالمستندات للجنة توفيق أوضاع الكنائس. وقبل الأحداث بعدة أيام، قامت لجنة من المحليات تابعة للجنة توفيق أوضاع الكنائس بزيارة الكنيسة ومعاينتها، وهى مبنية علي مساحة 200 متر مربع، و تخدم حوالي 120 أسرة: 86 أسرة في قرية الحليلة و34 أسرة في النجوع المجاورة. هذا، وقد قام مسئولو المحليات بقطع التيار الكهربائي عن المكان يوم 28 إبريل.

غلق كنيسة السيدة العذراء في قرية الطود
في 21 مارس 2018، تجمهر المئات من مسلمي قرية الطود، مركز أبو تشت، شمال محافظة قنا، معترضين على تقنين كنيسة العذراء في القرية، ومطالبين بغلقها. وكانت لجنة مكونة من عدد من مسئولي المحليات وإدارة الإسكان في طريقها لمعاينة الكنيسة التي قدمت الأوراق المطلوبة إلى لجنة توفيق أوضاع الكنائس، لكن تم منعها من إجراء المعاينة.

وفي اليوم التالي، عُقدت جلسة صلح عرفية في منزل أحد أعيان القرية، انتقد فيها مسلمو القرية قيام المسيحيين بتقديم طلب لتقنين وضع الكنيسة إلى لجنة توفيق أوضاع الكنائس، معتبرين ذلك سبب الفتنة، وانتهت الجلسة إلى رفض وجود كنيسة في القرية وغلق المكان. وخلال الجلسة، لم يُسمح للأقباط بالحديث عن حقهم في ممارسة الشعائر الدينية، كما لم تتم مناقشة الاعتداءات التي وقعت على بعض المنازل، وبناء سور، وغلق الشارع عن المنطقة التي يسكنها أقباط.

وطالبت المبادرة المصرية بإعادة فتح الكنائس المغلقة وتمكين المواطنين من أداء شعائرهم الدينية، مع الإفراج عن المقبوض عليهم عشوائيًّا من أقباط قريتي بني منين في مركز الفشن، وكومير في مركز إسنا، ومحاسبة الأطراف التي قامت بالتحريض والاعتداءات على منازل الأقباط. كما جددت المبادرة مطلبها بضرورة الموافقة على كل طلبات الكنائس والمباني الخدمية المقدمة إليها لتوفيق أوضاعها بدون إرسال لجان محلية للمعاينة.