تحميل CLOSE

هل قصة آدم حقيقية أم رمزية؟

هل قصة آدم حقيقية أم رمزية؟

د.إيهاب ألبرت

سألني صديقي المتشكك: هل حقًا يمكن أن تكون حقيقية؟ أنا لا أصدقها. وكيف لا، أصدق أن الله يأخذ ترابًا ويصنع منه هذا الجسد المعقد للإنسان. وهل يمكن أن يخرج الله الإنسان من الجنة التي وضعه فيها وصنعها له لمجرد أنه أكل من الشجرة المحرمة؟ وهل يقطع الله علاقته بالإنسان لمجرد عصيان واحد، وخطأ واحد من نظر الله؟ مع أنه قد يكون للإنسان العذر في الأكل من هذه الشجرة. ألا نظن أن هذه القصص قد تكون رمزية لتوضيح قلب الإنسان المتجه ناحية الخطية؟ فهي ليست قصة حقيقية، بل هي قصة رمزية لتقريب المعنى. وأيضًا للتسلية أنا لا أصدق هذه القصة.

ثم أنه كيف وصلت هذه القصة إلى موسى الذي سجل الأصحاحات الأولى من سفر التكوين؟ كيف عرف موسى هذه القصة وكيف وصلت إليه؟

الرد:
في البداية أريد أن أشكر صديقي المتشكك هذا لأنه بشكوكه يدفعني إلى فحص الكتاب المقدس، وهذا يساعدني لكي أنمو أكثر في الإيمان وفي معرفة الله.. فالشك هو القوة الدافعة للبحث والوصول إلى الإيمان الثابت الراسخ. فإذا وضعنا شكوكنا أمام كلمة الله فلابد أن تذوب وتضمحل لأني أؤمن بقوة كلمة الله. وهكذا طلب منا السيد: “فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية وهي التي تشهد لي” (يو5: 39).

أما عن قصة آدم.. فهي مذكورة في سفر التكوين في الأصحاحات الثلاثة الأولى منه. ولأني أؤمن بصحة الكتاب المقدس وعصمته، فسأسرد بعض الإثباتات الكتابية الواضحة التي تؤكد مصداقية قصة آدم وحقيقتها، فهي ليست قصة رمزية أو أسطورية كما يظن البعض. أو أن الكتاب المقدس يسجلها على سبيل التوضيح على خلاف الحقيقة. لكنها قصة واقعية حقيقية مائة في المائة.

أولاً: ذكر التفاصيل:
يذكر الكتاب المقدس تفاصيل القصة ويشرحها “جبل الله الإله آدم تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفساً حية” (تك 2: 7)، وذكر التفاصيل يعطي مصداقية للقصة ويوضحها. فكيف أمسك الرب الإله ترابًا من الأرض ليكون هذا الإنسان من التراب، لكنه نفخ في أنفه نسمة حياة؟ فصار آدم نفسًا حية وهذا ما يؤكده علم النفس الحديث، حيث أن اتحاد الروح مع الجسد ينشئ النفس الإنسانية وانفصال الروح عن الجسد يعلن موت الإنسان. فالنفس هي نتاج اتحاد الروح مع الجسد. ولا خلاف على أن الجسد هو من التراب. فقال الرب لآدم: “لأنك تراب وإلى تراب تعود” (تك3 : 19)… وهكذا قال الشاعر:
خفف الوطأ ما أظن آديم الأرض إلا من هذه الأجساد

ثانيًا: العائلة:
لا يمكن رمزية وأسطورية عائلة كاملة. عرف آدم امرأته حواء وولدت أولادًا. قايين وهابيل ثم ولدت أيضًا شيث ولا يمكن تجاهل كل هذا النسل من الأولاد.

ثالثًا: المزامير:
كتب مرنم المزامير عن الإنسان باللفظ (ابن آدم) مثل “من هو الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده” (مز8: 4).
“لا تتكلوا على الرؤساء ولا على ابن آدم حيث لا خلاص عنده” (مز 146: 3).
وإن كان داود ملكًا على كل شعب إسرائيل متعلمًا ومتهذبًا بكل الحكمة يتحدث عن آدم. هكذا فلابد أنه حقيقة وواقع.

رابعًا: سفر حزقيال:
تحدث الرب الإله بالوحي المقدس إلى حزقيال النبي وأعطاه لقب (يا ابن آدم) حوالي 93 مرة. هل لقب ابن آدم يصلح لو كان آدم أسطورة؟

خامسًا: نسب المسيح:
سجل لنا التلاميذ في إنجيلهم سلسلة نسب المسيح مرتين:
المرة الأولى في إنجيل متى وبدأ من عند إبراهيم أبي المؤمنين وأب لشعب إسرائيل لأن إنجيل متى مكتوب وموجه لشعب اليهود.

لكن المرة الثانية في إنجيل لوقا وانتهى إلى آدم فقال: “بن أنوش بن شيث بن آدم ابن الله” (لو3: 38) وهكذا في هذا الأصحاح نحن أمام سلسال نسب كامل للرب يسوع المسيح من أول آدم إلى مجيئه الأول في الجسد كإنسان. فكيف يكون لدينا هذا السلسال وهو رمز؟! مع العلم أن اليهود والشعوب قديمًا كانت تهتم جدًا بالإنسان والأنساب. فكل منهم يفتخر بأنه يعرف سلسلة آبائه كاملة. فهي سلسلة مؤكدة. وأراد لوقا أن يعلن المسيح كابن الإنسان لهذا أعطانا سلسلة نسبه إلى آدم كاملة.

سادسًا: الرسول بولس:
تحدث الرسول بولس عن قصة آدم وحواء وسقوطهما في الخطية “لأن آدم جبل أولاً ثم حواء وآدم لم يغو لكن المرأة أغويت فحصلت في التعدي” (1تي 2: 13-14). لهذا هي قصة سقوط حقيقية وليست رمزية.

أما عن مدى الجرم الذي عمله آدم وحواء. وتقدير المتشكك بأنه لا يستحق الطرد من الجنة. ففي هذا قد نصب المتشكك نفسه غاضبًا ليحكم بدلاً من الله بل أقول إنه تجرأ ليحكم على الله وكأنه ظالم وحاشاه أن يكون ظالمًا.

لكن في الحقيقة إن الخطية ليس لها تعريف أوضح من التعريف الكتابي “كل من يفعل التعدي أيضًا والخطية هي التعدي” (1يو 3: 4)، فليس المهم في قيمة ما سرقته لكي نحكم أنك سارق أولاً. ولا قيمة الجرم تتوقف على الخسارة الناتجة من هذا الجرم. فالخطية في تعريفها الواضح هي تعدي وصية الله في أبسط الأمور
أو أعقدها. ومادام قد تعدى وصية الله وأكل فصار مستحقًا للعقاب والدينونة.

لهذا يعلن الرسول بولس أن قصة آدم وسقوطه هي قصة واقعية. لكنه يحذرنا أيضًا وهو يذكر هذه الواقعة تحذيرًا هامًا “ولكنني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح يسوع” (2كو11: 3). ومازال هذا التحذير يرن في أذني ويوقظني أن الحية مازالت تعمل حتى الآن لتفسد الأذهان عن بساطة الإيمان بيسوع المسيح وبالكلمة المقدسة. فنحن في أشد الحاجة لأن نسهر ونستيقظ لئلا نفقد إيماننا الراسخ الثابت ونفسده بأيدينا. وأتذكر أيضًا تحذير الرب يسوع “ولكن متى جاء ابن الإنسان لعله يجد الإيمان على الأرض” (لو 18: 8).

أما عن سؤال صديقي كيف وصلت هذه القصة إلى موسى ليسجلها؟. نقول إن آدم كان على دراية واضحة بقصة الخلق لأن الله أخبره بها كاملة “لأنك تراب”. وعاش آدم 930 سنة وبهذه الحياة الطويلة رأى نوح وحكى هذه القصة لكل الأجيال وتوارثت الأجيال هذه القصص وسجلوها حتى آتى موسى الذي كان متعلماً في أعظم جامعات التاريخ في ذلك الوقت “في حكمة المصريين” وقد ولع الآباء الأولون ولم يكن لهم شاغل إلا بتسجيل التاريخ والأنساب وسرده لأولادهم من بعدهم.

لكن في نهاية حديثي أعلن إيماني بكل حرف جاء في الكتاب المقدس وعصمته من الخطأ أو التحريف وستتحطم كل المطارق التي